غسان فوزى طه
5
شيعة لبنان ( العشيرة - الحزب - الدولة ) ( بعلبك - الهرمل نموذجاً )
بتاريخ واحد حزيران 1861 ، والثاني في أول أيلول 1864 . هذان النصان ، أعطيا جبل لبنان وضعية دولية ، وأعلنا نهاية النظام الإقطاعي . في المقابل ، ثبتا النظام الطائفي ، وعمّما الطائفية في الإدارة العامة للجبل ، مانحين هذا الأخير استقلالا ذاتيا حيال السلطة العثمانية ، مع إبقاء المدن الساحلية السنية والبقاع ، خارج الوحدة الإدارية للجبل . فبموجب النظام الجديد أصبحت الطوائف الدينية ممثلة بمندوب أو أكثر يختاره قادة كل طائفة بمشاورة وجهائها . مع بروز عهد الانتداب ، عملت السلطة الانتدابية الفرنسية على بناء الدولة وفق أسس جديدة أتاحت إعادة إنتاج سلطة هذه العصبيات عبر الأجهزة التمثيلية والمواقع الإدارية التي استحدثتها ، فأتاح هذا الواقع الجديد بروز عصبيات جديدة في مراكز السلطة ، وبقيت إلى ما بعد عهود الاستقلال ، تعبر عن نفسها كوحدات سياسية واجتماعية بقيادة زعمائها ، انطلاقا من مبدأ القرابة التي تمثل عناصر وحدتها وتماسكها . فخلال الاستقلال عكس ميثاق عام 1943 نسبة القوى الطائفية والاجتماعية القائمة آنذاك ، حيث التوزيع الطائفي لمقاعد المجلس النيابي مثلا ، على أساس المعيار العددي وتبعا للقاعدة التالية : ستة مقاعد للمسيحيين مقابل خمسة للمسلمين « 1 » . وبصورة عامة ، أعطى الميثاق شرعية للواقع الطائفي ، وأخضع توزيع مختلف الوظائف العامة لمعايير التوزيع العددي الطائفي ، مستندا بحرص شديد إلى آخر إحصاء أجرته القوة المنتدبة سنة 1932 ، والذي أظهر تفوقا عدديا طفيفا للمسيحيين . لم يؤد النظام القائم في مرحلتي الانتداب والاستقلال إلى قيام دولة تعمل على تحقيق الاندماج الفعلي بين المواطنين ، بل أدى إلى تعزيز الارتباطات العائلية والطائفية كأشكال من الولاء التقليدي على حساب الولاء للدولة . فعلى سبيل المثال ، نشير في هذا السياق ، إلى أن صلات القرابة العائلية قد طبعت بطابعها التجربة البرلمانية اللبنانية ، منذ عهدي الانتداب والاستقلال . فخلال نصف قرن تقريبا ، بين عام 1920 وعام 1970 ، احتل 425 نائبا ينسبون إلى 245 عائلة ، و 65 مقعدا نيابيا في 16 مجلسا نيابيا على التوالي . على صعيد النسب فإن النواب المرتبطين بصلات القرابة كانت نسبتهم 62 تقريبا ، مما يكشف طابع الاحتكار العائلي الذي حكم المجلس النيابي اللبناني . إن المركزة العائلية للسلطة البرلمانية ، تصبح أكثر وضوحا أيضا ، إذا أخذنا بعين الاعتبار العائلات الكبيرة ذات الأصول الإقطاعية ( عددها يقارب 26 ) التي احتكرت لوحدها وطوال خمسين سنة أكثر من ثلث المقاعد النيابية .
--> ( 1 ) كمال حمدان ، الأزمة اللبنانية ، مرجع سابق ، ص 51 - 58 .